الشيخ داود الأنطاكي

75

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

لا يمكن القطع بها ؛ لأنها تختلف بحسب الأغذية والسن والزمان والمكان والصناعة ، فان الشيخ إذا اغتذى باللبن في الشتاء أو الروم وكان قاصراً ، يتولد عنده من البلغم ما يزيد على الباقي قطعاً وبالعكس وهكذا في البواقي . وما تركب بحسبه . ومتى كان الأكثر البلغم كان ضده هو الأقل كما أسلفته قطعاً . ويبقى الكلام في الآخرين فعندي : أن الدم يلي البلغم إذا كان هو الأكثر ؛ لما بينهما من الاتحاد في الرطوبة . فان قيل لم لا يكون غيره ؟ قلت : ليس إلّا السوداء ؛ لمناسبة البرد . لكن الرطوبة تنفعل في الحرارة ولو كانت حسية بخلاف البرودة هنا ؛ لمقتضاها عدم المطاوعة . السابع : قد قرروا أن من الأخلاط طبيعياً وغير طبيعي ، وصرحوا بأن المراد بالطبيعي ما تولد في الكبد ، وغيره خارجها ، مع اجماعهم على أن محل توليد الأخلاط هو الكبد . وهذا اطلاق ظاهر الخطأ ؛ لأنه على هذا مخصوص بعد عمومه أو يقتضي الاستغناء عن الكبد إذا أضفته إلى قولهم : إن الصفراء مفرغتها المرارة والسوداء مفرغتها الطحال . وأما الدم فموضعه كل عضو ؛ لاحتياجه إليه . وكذا البلغم ؛ لأن الطبيعة تحيله عند الحاجة ، فقد أثبتوا لكل عضو قوة يجعل الغذاء بها مشاكلًا بالفعل بعد القوة ، فلا حاجة إلى الكبد . وسيأتي انها من ضروريات الشخص ، هذا خلف . فان قيل : الكبد ليست لمجرد التوليد حتى يستغنى عنها إذا وجد في غيرها ، بل هي له ولتمييز كل خلط . قلنا : ليس التمييز غاية مقصودة بالذات ؛ لجواز التغذي بالممزوج ، ولأن كل قادر على التوليد مميز ولا ينعكس ؛ لسهولة التمييز بالنسبة إلى الايجاد . وأجاب بعضهم : بأن الحاجة في الأصل إلى الخلط الطبيعي ؛ لأنه مادة الصحة وهو مخصوص بالكبد دون الأعضاء فثبتت الحاجة إليها . وهذا الجواب مدخول ؛ لأن ظاهر عباراتهم أن الأعضاء تحيل البلغم غذاء صحيحاً ، وإلّا لما استغنت